دخل والدي رحمه الله معركة دفاعاً عن الحب الحقيقي وخسرها ولم يندم ..
بعد ساعات يطل علينا عيد الحب أو عيد العشاق "فالنتين" القادم من الغرب ، وليس له أي شعبية في بلادنا ولا يحتفل به سوى حفنة من طبقة الأثرياء ..
ولم يكن معروفاً في بلادي ..
وهو عيد مستحدث ، وجيلي لم يعرفه أو يسمع به من قبل ..
و"فالنتين" شهيد الحب والغرام !! تم إعدامه لأنه كان يقوم بتزويج جنود الإمبراطور الروماني "كلوديوس الثاني" سرا لأن ذلك كان ممنوعا بحجة أن الزواج يعطل الجنود عن القيام بواجبهم ، وكان إعدامه في ١٤ فبراير وأصبح رمزاً للرومانسية والغرام ..
وفي يوم عيده ترى اللون الأحمر سائدا ..
حيث كان العرسان الذين يقوم يتزويجهم يقدمون له ورد أحمر تعبيراً عن المحبة والشكر.
وصدق أو لا تصدق .. أبي رحمه الله "إحسان عبدالقدوس" دخل معركة مع الحكومة والرأي العام وخسرها بسبب رفضه للحب على طريقة "فالنتين" ..
الذي يقتصر فقط على الحب الرومانسي مع أنه الفارس الأول في هذا المجال ، لكنه يرى
ـ ومعه حق تماماً ـ
أن الحب أوسع من ذلك بكثير يشمل الحياة كلها ولا يقتصر على الحب بين الجنسين !!
وتفاصيل المعركة التي دخلها "سانو" وخسرها كانت عام ١٩٥٤ .. عقب خروجه من السجن ، حاولت الحكومة أن تسترضيه بعد إعتقاله عدة أشهر دفاعاً عن الديمقراطية في وجه الديكتاتورية العسكرية ..
فاتفقت معه على تقديم برنامج إجتماعي أسبوعي في الإذاعة يعبر فيه عن أفكاره ، لكن برنامجه أثار زوبعة منذ حلقاته الأولى ولم يستمر طويلاً لسبب لا يخطر على بالك ..
كان برنامجه مسائي وأحب أن يختمه بطريقة غير تقليدية قائلا: "تصبحوا على حب" ..
وثار الرأي العام على ذلك وطالبه بتعديل ذلك الختام والعودة إلى التحية المسائية التقليدية: " تصبحوا على خير " ..
وانهالت برقيات الاحتجاج من المستمعين إلى الإذاعة المصرية لكن والدي رفض التراجع ..
وكان يسألهم: "وماله الحب" ؟؟
إنها أنبل عاطفة في الوجود وتشمل الدنيا كلها حب الوطن والناس وحب الله ، وافتقادنا إلى هذا الحب هو السبب الرئيسي في تدهور أخلاقيات المجتمع وانتشار البغض والكراهية بين أبناءه ..
لكن الرأي العام رفض كلام أبي رحمه الله ، لأن الحب في نظرهم مفهومه ضيق جداً على طريقة "فالنتين" ..
يقتصر على العشق والغرام والهيام !!.
وتدخلت الحكومة في الموضوع ..
واقترح "ناصر" الذي ازعجه هذه "الخناقة" حل وسط وهو استخدام كلمة "تصبحوا على محبة" بديلاً عن "تصبحوا على حب" أو "تصبحوا على خير" ..
وبدا للجميع أنه حل وسط إلا صاحب البرنامج الذي أصر أن يركب رأسه وقال أنه لن يتنازل عن "تصبحوا على حب" ..
وأدى هذا العناد من جانب "سانو" إلى وقف برنامجه كله ..
ولم يندم على ما فعله بل كان سعيداً لأنه دافع عن هذه العاطفة النبيلة أو الحب في أسمى معانيه حتى آخر لحظة في مواجهة من يرون الحب على طريقة "فالنتين" الذي يحتفل به البعض بعد ساعات. .
يا جماعة: الحب مش كدة ..
الحب أعظم وأكبر من كدة.
محمد عبدالقدوس
